مناوشات

.
There was an error in this gadget

Sunday, March 4, 2012

عن الجمعية التأسيسية



ورد فى مفهوم أرسطو للعدالة أن الفضيلة هى الوسط بين رذيلتين. أدى الجدل السياسى الدستورى القائم فى مصر بعد الثورة إلى الاستقطاب الحاد بين رذيلتين. الأولى كانت إصرار "البعض" على وضع الدستور بطريقة فوقية ونخبوية تستبعد الشعب وتتعالى عليه وترفض أن تتم كتابة الدستور بطريقة شرعية مستمدة من الانتخاب. الرذيلة الثانية كانت فى تصور "البعض" الاخر أن الانتخاب من الشعب يعنى تفويضا بلا سقف أو مشاركة حقيقية, وتعنى تقديم التفضيلات الحزبية على الأساسيات الوطنية, واستخدم كل فريق دعيا الفريق الاخر ضده.


الحل فى وجهة نظرى, ليس بفرض مبادئ حاكمة ولا أى ابتزاز إعلامى أو مغالطات علمية تعبنا من سماعها بأنه من الخطأ أن يضع البرلمان أو جمعية مختارة منه الدستور. الحل هو الديموقراطية التشاركية. تضطلع فيها السلطة المنتخبة بواجبها بصفتها الجهة الشرعية الموكلة من الشعب . وبنفس الوقت العمل بصورة حقيقية على ضمان مشاركة المجتمع بكل هيئاته الأصيله فيه. نريد مجتمعا ينشئ دولة. لا دولة تفرض على المجتمع.

ما زلت منحازا وبشدة لفكرة وضع مجلس الشعب للدستور – انتخاب درجة أولى -  او انتخابه لجمعية تأسيسية  - انتخاب عبر درجتين – لعدة أسباب. منها ما هو على الاستنباط – تفكير منطقى – ومنها ما هو مبنى على استقراء – قراءة التجارب السابقة والواقع المصرى -

أولا : الاستنباط
الأوزان النسبية للقوى السياسية يجب أن تشكل صورة الدولة"سياسيا" ودستورها.  ستقول أنى مخطئ وسأفترض جدلا أنك محق. ولنفترض أيضا أنك نجحت فى جمع ملائكة العمل السياسى وتوافقوا جميعا على دستور ملائكى لا يختلف عليه أحد. لكنك تتناسى تماما أن الدساتير ديناميكية تسمح بالتطور والتغيير وتضع داخلها اليات تغير نفسها. بمعنى. أن دستورك الملائكى هذا لن يصمد طويلا اما أغلبية برلمانية من الشياطين تم انتخابها فى دورة تالية أو حتى تجديد نصفى, تقوم تالك الأغلبية الشيطانية بتعديل الدستور أو حتى تغييره عبر اليات ديموقراطية بحتة. وبذلك نعود مرة أخرى إلى المربع الأول أن الهيئات المنتخبة هى من تضع الدستور "غالبا ".

بدون الدخول فى تفصيلات أخرى. مثلا فى حالة عدم تمكين البرلمان من الاختيار. من سيقوم بالاختيار ؟ الرئيس ؟ الحزب الحاكم ؟ النخبة الإعلامية ؟ من ! لا أحد يجيب. تسمع كلاما عن انتخاب الجمعية من الشعب مباشرة. وكأن من فاز فى صناديق مجلسى الشعب والشورى سيخسر فى صناديق الجمعية !

ثانيا :الاستقراء
القول بأن دول العالم لم تفعل هذا. وأن البرلمان ليس المخول بوضع الدستور قول خاطئ. وبحسن الظن فهو خطأ غير متعمد. فى دراسة لجامعة "برينستون" – كنت قد كتبت عنها سابقا 
http://aabobakr.blogspot.com/2011/11/blog-post_15.html . فإن 51 % من الحالات التى تمت دراستها لأغلب دول العالم. فإن الدستور وضع عن طريق السلطة التشريعية المنتخبة ! مع ملاحظة التالى, أن نسبة كبيرة من ال 49 % الاخرى لم تكن طرق ديموقراطية " لجنة تضعها السلطة التنفيذية - احتلال يغادر البلاد فيقوم بتعيين لجنة - الحزب الحاكم يغير الدستور " وهناك 17 % من تلك ال 49 % قامت بانتخاب الجمعية التأسيسية مباشرة " النموذج التونسى" والذى من نظرى لا يختلف بأى شكل عن ما نفعله. اختلاف مسميات فقط !

اذن فى النهاية 68 % من الحالات تأتى عبر صناديق انتخاب !  لا تجد أحدا من النخبة المصرية يقول هذا الكلام. عل المانع خير.. " ملاحظة سريعة برلمان البرازيل استغرق شهرين لإصدار قانون كيفية اختيار أعضاء الجمعية التأسيسية وكيفية عملها, لسنا بدعا من الدول "

حسنا فعلت الأكثرية البرلمانية بأن قالت أنها تسعى للتوازن وإشراك هيئات ومؤسسات المجتمع فى الجمعية. وأنها ترى تشكيل نواب البرلمان 40 % من الجمعية. هذا مطلوب للوصول بين الفضيلة التى هى الوسط بين الرذائل. فلا استبداد نخبوى وتهميش للشعب. ولا ديموقراطية إجرائية بدلا عن الديموقراطية التشاركية التى أظن أن الجميع يحلم بها.