مناوشات

.
There was an error in this gadget

Saturday, December 1, 2012

مصر بين فريقين

فى البداية لا أعلم لمن أكتب تحديدا ،  وبالتأكيد رد فعلك كقارء لهذه السطور سيختلف  بحسب انتماءتك الفكرية والسياسية وكيفية رؤيتك لنفسك وللآخر ولوطنك ودينك وكذلك نوع المبادئ التى تؤمن بها ومتى التزامك بتلك المبادئ أيضا فى الظروف المختلفة وفى ظل وضع السيولة التى نمر به جميعا.

سأتحدث بصراحة عما يدور فى ذهنى ، بلا مواربة أو اعتبارات وعلى القارء تحمل ذلك ، المعركة الحالية هى معركة حرية البقاء ، ما بين فريق عنده عداء أصيل مع صندوق الانتخاب يصل إلى حد الازدراء والحرب الشاملة مع نتائج هذا الصندوق وبين قطاع أظنه الأكبر يتكشف طريقه لأول مرة إلى الحرية ، حرية الاختيار والتواجد.

ما يحدث الان هو حرب متبادلة بين مجموعة من الشخصيات الإعلامية والفكرية والاقتصادية من جانب وبين فكرة الإرادة الحرة التى تعكس الواقع الذى يعيشه المصرييون بكل تناقضاتهم وتفضيلاتهم. قلة تزدرى دوما الاختيارات الشعبية عندما لا تأتى على هواها وتتدثر بالمصطلحات الرنانة من ديموقراطية وحرية بينما هى تسعى حثيثا لتدمير كل الاختيارات الديموقراطية للشعب على مدار عامين وتسلب الآخر المختلف معها "السلفيين خصوصا والإسلاميين عامة" حق طرح الرؤى بل حتى حق التواجد.

وسائل إعلام من صحف وقنوات لا تنقل الحقيقة كاملة ، عندها موقف مسبق من الفكرة الإسلامية بتنويعاتها المختلفة، يترواح هذا الموقف ما بين العداء التام السافر ، العداء المبطن ، التوجس والحذر . وذلك فى وجود قلة لا ينبغى أن تبخس حقها تتعامل مع الجميع بموضوعية.    

لا ينبغى الإغراق فى لغة المستضعف وشيطنة الآخر , ليس هذا هو الهدف من هذه السطور ، فعلى الجانب الآخر الإسلاميون فى مصر محملون بوزر التجارب الفاشلة للدول الأخرى ووجود الفزاعات "القابلة للتحقيق" من إيران وسعودية وسودان. وكذلك يحمل الإسلاميون أوزارا فوق أوزارهم السابقة من جماعات تبنت العنف منهاجا للتغير وقامت بالعديد من الأعمال الإرهابية داخل القطر المصرى فى فترات سابقة. أضف إلى ذلك الصورة الذهنية المشوهة التى ترسمها الدراما لكل من هو ذو لحية. وأخيرا أخطاء الممارسة السياسية تحت دائرة الضوء وفى ظل ظرف لن يتكرر مرة أخرى.

وفى ظل ما سبق ، يبدو الحل الأمثل هو طرح كافة الخيارات بتنوعاتها على الشعب دون إقصاء، لكن النخبة السياسية والفكرية المصرية أثبتت بما لا يدع أى مجال للشك أو المراجعة أنها تتميز بغباء شديد فى تحديد الأهداف فضلا عن الوصول إليها، على مدار العامين المنصرمين كانت قرارتها تأتى دوما بنتيجة عكسية وذات أثر سلبى على المجتمع المصرى والدولة ككل.

بعيد تنحى مبارك ، تم استغلال شباب الثورة بل واحتلالهم فكريا من قبل حفنة من المفكرين والسياسيين ، استغلوا عدم وجود أيدولوجيا أو فكر واضح للعديد منهم وأصبح التوجس من التيار الإسلامى هو ما يجمع بين ما اصطلح عليه "شباب الثورة"  وبين النخبة المصرية وطالب الكل وتظاهر واعترض على إقامة انتخابات سريعة بحجة جاهزية الإخوان وغياب فرصة متكافئة للشباب وحاجتهم للوقت ، ويعد الزمن خير إجابة على هذا الافتراض ، فبعد عامين أين هم شباب الثورة ، بل من هم شباب الثورة ! على أفضل تقدير حركات احتجاجية  بدلا من كيانات سياسية كانت تستطيع بكل سهولة حجز مقاعد لها فى مراكز صنع القرار المصرى.

نموذج آخر على غياب الرشد السياسى هو دفعهم التيار الإسلامى وقطاعات واسعة من الشعب  "أنا منهم" إلى التضامن والتترس خلف راية واحدة ، وهى التوحد ضد كل ما هو نخبوى وعلمانى وإعلامى ، على سبيل المثال حالة التحالف والتخندق بين الإخوان والسلفيين الآن هى حالة رد فعل ودفاع عن البقاء دفعوا لها، وإن كنت سأتحدث عن تفضيلاتى الشخصية التى تختلف مع السلفيين كثيرا – مع الاعتراف بحقهم فى الوجود -  فإنى أكثر المتضررين الآن من هذا التحالف ، فمن الأفضل من وجهة نظرى أن تطرح جميع البدائل أمام المواطن ويتنافس الجميع ضد الجميع ، حتى تظهر التمايزات واضحة بين التيارات وتكون الاختيارات أوسع وأفضل بدلا من الاختيار بين ثنائى (إسلامى علمانى)

وإن كنت سأشرك أحدا آخر فى وزر الوضع الراهن ، فالبتأكيد أحمل الشخصيات الإسلامية المستقلة والثورية ذات المصداقية مسئولية هذا الوضع ، ففى لحظات الاستقطاب الشديدة بين الثورة والا ثورة ، الإرادة الشعبية ضد الإرادة الإعلامية النخبوية لا مكان للمواقف الرمادية التى لا ترضى أحدا ولا تصنع زخما ، وتكون مجرد مواقف رومانسية تتعامى عن قصد عن حقيقة الصراع والواقع على أرض الحقيقة، مثال ذلك موقف حزب مصر القوية الذى وجد نفسه محاصرا بين فريق الرفض للإعلان الدستورى لمرسى يتظاهر فى التحرير وفريق التأييد يحشد قواه لمليونية السبت  ويشاهد على الهواء جلسات جمعيته التاسيسية المنتخبة ، فاتخذ لنفسه موقفا خارج سياق اللحظة وقام بتنظيم مسيرات احتجاج إلى القصر الجمهورى. معضلة المواقف الرمادية والرغبة فى التمايز دوما وتقديم ذلك على اتخاذ موقف عملى واقعى بل ومبدأى ! ويلحق بموقف مصر القوية موقف العديد من الشخصيات المستقلة ذات المصداقية التى تقدم "دون وعى منها" مبدأ التمايز عن التيار الإسلامى والخوف من التهمة الجاهز "إخوان بشرطة" على مبدأ "قول الحق ولو كان مرا". وبذلك هى تسدى صنيعا للتيار النخبوى عن طريق استغلالها إعلاميا طوال الوقت وأيضا تهدر مسئوليتها التى أحسبها تاريخية فى توفير تيار رئيسى للمصريين يقدم لهم بدائلا اكثر ويحث الجميع على التنافس بدلا من الثنائية الجديدة "إسلامى علمانى"


من حق الجميع التوجس والتخوف ، الاختيار بالمخاوف هو ما يحكم المصريين حاليا ، فريق يفر من شبح النموذج الإيرانى أو السعودى وفريق آخر لا يرى أمامه سوى أفكارا وشخوصا غريبة يتم زرعها عنوة فى جسد المجتمع المصرى رغما عنه ، يتحدث لغة لا يفهمها ويطرح قضايا لا يعرف 99 % من المصريين عنها شيئا. وللأسف فى ظل هذه التخوفات المتبادلة فإن الجميع وبلا شعور يتحرك بالوطن إلى أسوأ مخاوفه ويحرم مصر من خلق نموذج جديد خاص بها يختلف عن النماذج الإيرانية والسعودية التفزيعية وكذلك لا يتبنى النموج العلمانى التغريبى الذى لا يأتى إلا بقوة السلاح سواء من احتلال خارجى أو من أنظمة عسكرية داخلية، مصر تستحق الأفضل.