مناوشات

.
There was an error in this gadget

Thursday, March 20, 2014

ما بين مسلمى مصر ومسيحييها !





"وجعلنى مباركا أينما كنت وأوصانى بالصلاة والزكاة ما دمت حيا" 

"وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا"

"والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا"

 سورة مريم


 فى كل عام تتجدد جدلية تهنئة المسلمين للمسيحين بميلاد المسيح –عليه السلام-  وتستهلك الأوقات والطاقات بين فريقين لا يتغيران، الأول يرى عدم جواز هذا وحرمته لأنه فيه تهنئة غير المسلمين بعيد يحتفلون فيه بميلاد "الرب" أو "ابن الرب" وهو أمر شركى مخالف للعقيدة والفريق الآخر يرى جواز ذلك وأنه من باب " البر والقسط" وأن التهنئة بميلاد المسيح عليه السلام الذى هو بالنسبة للمسلمين نبى الله ومن أولى العزم من الرسل.


"وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا"

وتزداد حدة النقاش والجدال بين فريقين يرى أحدهما الآخر متشددا بينما الآخر يراه مفرطا. وقد يزداد الأمر إلى أن يصل أن يقوم البعض بترديد بعض الآيات القرانية المؤكدة على بطلان العقيدة المسيحية.

المائدة

وكمسلم أؤمن بكتاب الله أؤمن وأوقن بما وصف الله به نفسه

"قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد "

وبأنه تعالى إذا قال "لقد كفر الذين قالوا" فلا أملك إلا أن أقول سمعا وطاعة. فأمور العقيدة لا مجال فيها للمجاملات. لكن السؤال هو، لماذا صرنا كمسلمين نستخدم آيات الله للمبارزة ! ونترك بعض الآيات الأخرى غير عاملين بها أو ملتفتين إليها ! وما الذى استفدناه كمسلمين من تلك المعركة المتكررة كل عام ، وما الذى استفاده الوطن من مسلمين ومسيحين سوى زيادة الاحتقان – لن أهنئك وأقول لك يا كافر يوم عيدك – بل وأزيد ما الذى استفاده الإسلام من هذا ! أين هى الدعوة إلى الإسلام ! أليس هذا المسيحى الذى نفر وتخندق واجب على المسلم دعوته للحق !

إن مثل هذا الإحتقان الطائفى له نتائج مباشرة يعلمها الجميع ، لكنى أريد هنا أن لفت نظر الجميع – مسلمين ومسيحيين- إلى أحد النتائج غير المباشرة لهذا الإحتقان ، وهو وجود ردة فعل -مبالغ فيها – بالإحتفاء المتبادل بين المسلمين والمسيحيين بمجرد بالتعايش فيما بينهما! بمعنى، أن تجد البعض من المسيحيين فى مثل هذا اليوم شديدى الإحتفاء بتهنئة المسلمين لهم. بل وتواجد بعضهم فى الكنائس للتهنئة، وأن "هذه هى مصر" إلى آخر ذلك من الإحتفاء المبالغ فيه والناحية الأخرى مبالغة المسلمين فى التهنئة. وهو أمر يمكننى تفهمه لأن حالة التعايش والتهنئة المتبادلة والود أصبحت غاية نهائية ليس بعدها شئ. والوطن "مصر" هو دار البقاء والمنتهى ليس بعده شئ! أليس هذا المسلم مأمورا بالدعوة إلى الله ! وإظهار دين الحق.  فإما نفور وتعصب وتذكير يوم العيد بالكفر وإما تهنئة مبالغة، ألا يمكننا أن نبتغى بين ذلك سبيلا.

فى كتابه – الإسلام بين الشرق والغرب – لعلى عزت بيجوفيتش ، صاغ الكاتب منظورا خاصا للإسلام ، وصفه فيه أنه وحدة ثنائية القطب. هو دين معنى بالتوازن بين الروح والجسد، الإيمان والعلم ، المادة والغيب. لا يمكن أن يقوم على أحداها دون الآخر. لانه وحدة واحدة.

فمن ضمن ما وصف مثلا أن الصلاة فى الإسلام وهى فعل روحانى بالأساس بين العبد وربه ، قائمة على التوجه بالقلب والإخلاص والخشوع والتبتل إلى الخالق – أمور روحانية – إلا أنها وفى ذات الوقت قائمة على توقيتات زمانية محددة واستقبال للقبلة ووضوء وطهارة جسدية وفى المكان والثوب – أمور مادية- . هذه الثنائية والتوازن المتلازم يمكننى وصفه كبوابة لفهم الإسلام وما أشكل على سابقا فى أمور بدت متعارضة فى ظاهرها.

ففى حال مخاطبة القرآن لغير المسلمين تجد رفقا فى الحوار حتى فى حال توجيه الاتهام:

"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"
ال عمران

"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ"
ال عمران

"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ"
ال عمران

"قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"
ال عمران

وغير ذلك من الآيات التى تشير إلى المشترك وتهتم بالدعوة وتنتهج أسلوب الرفق الواضح فى حال الدعوة. وهو أمر منهجى أصيل. "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" وفى قصة موسى وفرعون "فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى"

ومع هذا الرفق فهناك الآية سابقة الذكر " لقد كفر الذين قالوا...". ويمكننى الاجتهاد فى القول أن الثنائية والتوازن هنا موجودة فى الدعوة والحوار بالرفق واللين وبين أظهار الحق بوضوح لا يقبل التأوييل أو الميوعة، فالشرك بالله ظلم عظيم وما جاء الإسلام إلى لرد الناس إلى عبادة ربهم"وحده" بالطريقة التى ارتضاها هو. فنجد الآية واضحة بلا لبس "لقد كفر الذين قالوا" وهى جملة خبرية بالأساس وليست سبابا بالمناسبة!

الإسلام = "وابتغ بين ذلك سبيلا"

وإن كنت موجها كلامى للمسلميين فقد أقول من واقع فهمى المحدود، أن السياق القرانى قائم على "الثنائية" والكثير من معانى القران تفهم عن طريق نفى الأضداد أو التعريف بالاستبعاد. فعلى سبيل المثال أمره تعالى بالعدل. فلو لنا أن نمثل العدل كمنطقة وسطى على خط ذو طرفين ،فإن أمر الله تعالى جاء مباشرا:


 "قل أمر ربى بالقسط"

وجاء نافيا للطرف الأيمن من هذا الخط:

 "ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" 

وهو النهى عن ظلم الآخر حتى وإن كان ظالما والعدل معه وإعطاءه حقه. وتارة أخرى جاء أمره تعالى نافيا للطرف الأيسر من هذا الخط

 " اعدلوا ولو كان ذا قربى"

أى لا تجعلوا محاباة الأقرباء حائلا بينكم وبين العدل. مما سبق يمكننى القول أن "وابتغ بين ذلك سبيلا" هو معنى قرآنى لا يستقيم فهم  الأوامر والنواهى دونه.

يقول تعالى:

 "وابتغ فيما أتاك الله الدار الاخرة ، ولا تنس نصيبك من الدنيا"

"ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط"

"يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء"

ثم يلحقها بآية أخرى

لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين"

"وكلوا واشربوا ولا تسرفوا"

التوازن وعدم الإفراط أو التفريط ، وإنزال الأمور منازلها  هو الأساس والوسيلة ،  دور المسلم الدعوة إلى الله ولا يجب لداعية أن يكون منفرا "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" ولا يمكن لداعية إلى الحق أن يكون متساهلا مع الباطل. هذا فيما يتعلق بشق علاقة المسلم بغير المسلم. وكيفية الدعوة والتعامل لمتوازنة. أما فيما يتعلق بالمسيحيين فى مصر فهناك عدة أسئلة قد تكون مفتاحا للفهم المتبادل. خاصة فى حساسية كلمة "كافر" وموضوع التهنئة بالاعياد وغير ذلك.

  
1-كيف يرى المسيحي الآخر غير المسيحي؟

2-ألا يؤمن بجنة ونار؟ هل يؤمن مثلا أن المسلم - مؤمن - ويدخل الجنة ؟

3-لم يقوم بالتبشير !

4-أليست فكرة النبى اللاحق على من قبله هى فكرة مسيحية بالأساس - بالتسليم أن
عيسى عليه السلام هو نبى وذلك من أجل النقاش -  أليس عيسى –عليه السلام-
لحق بموسى ، وكذلك محمد –ص- لحق بعيسى ، أليس الأدعى بقوم كان نبيهم
لاحقاعلى من قبله أن –يختبروا- دعوى أو إدعاء غيرهم بانه استكمال لسلسة
الأنبياء.

5-من المفهوم أن أهل العلم مع ما بينهم من تنافس، إلا إنهم يتحاورون ويتدارسون
الأطروحات المختلفة بهدف الوصول إلى كشف علمى صحيح. أليس من الأولى
بأهل الكتاب الحوار فيما بينهم على أرضية مشتركة وهى الإيمان بالله ؟

6-هل التعايش على الأرض وفقط هو هدف نهائى ؟

أسئلة مفتوحة بغرض فتح أفاق للتكفير وليس بغرض المناظرة أو الرد. لكنها أسئلة 
لاحقة على تقدمة موجهة للمسلمين والمسيحيين فى مصر على السواء ذكرت فيها
آيات كثيرة كمحاولة للفهم المتبادل . فمع كل عام تتجدد المبارزة ثلاثية الأطراف
بين مسلمين مهنئين ومحرمين للتهنئة ومسيحيين محتلفين. وينفض المولد ولا جديد
تحت شمس المحروسة. فلا تعايشا صحيا قد تم. ولا دعوة إلى الله قد حدثت، فقط
عراك، تماما ككل شئ آخر !

No comments:

Post a Comment